Search - للبحث فى مقالات الموقع

Friday, November 26, 2010

المصرى البوسنى - الجناب المكرم والمشير المفخم الوزير الكبير والدستور الشهير أحمد باشا الشهير بالجزار







سيره الباشا

الجزار، أحمد باشا (نحو 1132-1219هـ، 1720-1804م). أحمد باشا الجزار والي عكا في فلسطين الذي صمد أمام حصار نابليون بونابرت الشهير.
أصله من بلاد البشناق وخدم عند المرحوم علي باشا حكيم أوغلي وعمل عنده شفاسيًا وحضر صحبته إلى مصر في ولايته الثانية سنة إحدى وسبعين ومائة وألف فتشوقت نفسه إلى الحج واستأذن مخدومه فأذن له في ذلك وأوصى عليه أمير الحاج إذ ذاك صالح بك القاسمي فأخذه صحبته وأكرمه وواساه رعاية لخاطر علي باشا ورجع معه إلى مصر فوجد مخدومه قد انفصل من ولاية مصر وسافر إلى الديار الرومية ووصل نعيه بعد أربعة أشهر من ذهابه فاستمر المترجم بمصر وتزيا بزي المصريين وخدم عند عبد الله بك تابع علي بك بلوط قبان

جامع الباشا المعظم بعكا

 وتعلم الفروسية على طريق الأجناد المصرية فأرسل علي بك عبد الله بك بتجريدة إلى عرب البحيرة فقتلوه فرجع المترجم مع باقي أصحابه إلى مصر فقلده علي بك كشوفية البحيرة وقال له ارجع إلى الذين قتلوا أستاذك وخلص ثأره فذهب إليهم وخادعهم واحتال عليهم وجمعهم في مكان وقتلهم وهم نيف وسبعون كبيرًا وبذلك سمي بالجزار ورجع منصورًا وأحبه علي بك لنجابته وشجاعته وتنقل عنده في الخدم والمناصب والأمريات ثم قلده الصنجقية وصار من جملة أمرائه ولما خرج علي بك منفيًا خرج صحبته ورافقه في الغربة والتنقلات والوقائع ولم يزل حتى رجع علي بك وصحبته صالح بك من الجهة القبلية وقتل خشداشينه وغيرهم ثم عزم على غدر صالح بك وأسر بذلك إلى خاصته ومنهم المترجم فلم يسهل به ذلك وتذكر ما بينه وبين صالح بك من المعروف السابق فأسر به إليه وحذره فلما اختلى صالح بك بعلي بك عرض له بذلك فحلف له علي بك أنه باق على مصافاته وكذب المخبر إلى أن كان ما كان من قتلهم وغدرهم لصالح بك كما تقدم وإحجام المترجم وتأخره عن مشاركته لهم في دمه ومناقشتهم له بعد الانفصال فتجسم له الأمر فتنكر وخرج هاربًا من مصر في صورة شخص جزائرلي وكان احمد باشا قد تزوج من ال شعلان هم من افخاد مصر العظام من نسل الامير محمد الجبران ال شعلان  امير الروله العنيزى النجدى حليف ال سعود وابناء عمومتهم ونسيبهم وجمعنا نسله وزريته رحمه الله

 وتفقده علي بك وأحاط بداره وكان يسكن ببيت شكر فره بالقرب من جامع أزبك اليوسفي فلم يجدوه وسار المذكور إلى سكندرية وسافر إلى الروم ثم رجع إلى البحيرة وأقام بعرب الهنادي وتزوج هناك ولما أرسل علي بك التجاريد إلى ابن حبيب والهنادي حارب المترجم معهم ثم سار إلى بلاد الشام فاستمر هناك في هجاج وتنقلات ومحاربات واشترى مماليك واجتمع لديه عصبة واشتهر أمره في تلك النواحي ولم يزل على ذلك إلى أن مات الظاهر عمر في سنة تسع وثمانين ومائة وألف ووصل حسن باشا الجزائرلي إلى عكا فطلب من يكون كفؤًا للإقامة بحضنها فذكروا له المترجم فاستدعاه وقلده الوزارة وأعكاه الأطواخ والبيرق وأقام بحصن عكا وعمر أسوارها وقلاعها وأنشأ بها البستان والمسجد واتخذ له جندًا كثيفًا واستكثر من شراء المماليك وآغار على تلك النواحي وحارب جبل الدروز مرارًا وغنم منهم أموالًا عظيمة ودخلوا في طاعته وضرب عليهم وعلى غيرهم الضرائب وجبيت إليه الأموال من كل ناحية حتى ملأ الخزائن وكنز الكنوز وصار يصانع أهل الدولة ورجال السلطنة ويتابع إرسال الهدايا والأموال إليهم وتقلدوا ولاية بلاد الشام وولى على البلاد نوابًا وحكامًا من طرفه وطلع بالحج الشامي مرارًا وأخاف النواحي وعاقب على الذنب الصغير بالقتل والحبس والتمثيل وقطع الآناف والآذان والأطراف ولم يغفر زله عالم لعلمه أو ذي جاه لوجاهته وسلب النعم عن كثير جدًا من ذوي النعم واستأصل أموالهم ومات في محبسه ما لا يحصى من الأعيان والعلماء وغيرهم ومنهم من أطال حبسه سنين حتى مات

 واتفق أنه استراب من بعض سراريه ومماليكه فقتل من قويت فيه الشبهة وحرقهم ونفى الباقي الجميع ذكورًا وإناثًا بعد أن مثل بهم وقطع آنافهم وأخرجهم من عكا وطردهم وسخط على من أواهم أو تاواهم ولو في أقصى البلاد وحضر الكثير منهم إلى مصر وخدموا عند الأمراء وانضوى نحو العشرين منهم وخدموا عند علي بك كتخدا الجاويشية فلما بلغ المترجم ذلك تغير خاطره من طرفه وقطع حبل وداده بعد أن كان يراسله ويواصله دون غيره من أمراء مصر وكان ذلك سبب استيحاشه منه إلى أن مات ولما فعل بهم ذلك تعصب عليه مملوكاه سليم باشا الكبير وسليمان باشا الصغير وهو الموجود الآن وانضم إليهما المتآمرون من خشداشينهما وغيرهم غيظًا على ما فعله بخشداشينهم وعلمهم بوحدته وانفراده وحاصروه بعكا ولم يكن معه إلا القليل من العساكر البرانيين والفعلة والصناع الذين يستعملهم في البناء فألبسهم طراطير مثل الدلاة وأصعدهم إلى الأسوار مع الرماة والطبجية ورآهم المخالفون عليه فتعجبوا وقالوا أنه يستخدم الجن وكبس عليهم في غفلة من الليل وحاربهم وظهر عليهم وأذعنوا لطاعته وتفرق عنهم المساعدون لهم ثم تتبعهم واقتص منهم وكاد البلاد وقهر العباد ونصبت الدولة فخاخًا لصيده مرارًا فلم يتمكنوا من ذلك فلم يسعهم بعد ذلك إلا مسالمته ومسايرته وثبت قدمه وطار صيته في جميع الممالك الإسلامية والقرانات الإفرنجية والثغور واشتهر ذكره وراسله ملوك النواحي وراسلهم وهادوه وهابوه وبنى عدة صهاريج وملأها بالزيت والسمن والعسل والسيرج والأرز وأنواع الغلة وزرع ببستانه سائر أصناف الفواكه والنخيل والأعناب الكثيرة

 وجدد دولته ثانيًا واشترى مماليك وجواري بدلًا عن الذين أبادهم وبالجملة فكان من غرائب الدهر وأخباره لا يفي القلم بتسطيرها ولا يسعف الفكر بتذكارها ولو جمع بعضها جاءت مجلدات ولو لم يكن له من المناقب إلا استظهاره على الفرنساوية وثباته في محاربتهم له أكثر من شهرين ولم يغفل فيها لحظة لكفاه وكان يقول أن الفرنساوية لو اجتهدوا في إزالة جبل عظيم لأزالوا في أسرع وقت وقد تقدم بعض خبر ذلك في محله وكان يقول أنا المنتظر وأنا أحمد المذكور في الجفور الذي يظهر بين القصرين واستخرج له كثير من الذين يدعون معرفة الاستخراج عبارات وتأويلات ورموزًا وإشارات ويقولون المراد بالقصرين مكانان جهة الشام أو المحملان أو نحو ذلك من الوساوس ولم يزل حتى توفي في آخر هذا العام على فراشه وكن سليمان باشا تابعه غائبًا بالحجاز في إمارة الحج الشامي فلما علم أنه مفارق الدنيا أحضر إسماعيل باشا والي مرعش وكان في محبسه يتوقع منه المكروه في كل وقت فأقامه وكيلًا عنه إلى حضور سليمان باشا من الحج وأعطاه الدفاتر وعرفه بعلوفة العسكر وأوصاه فلما انقضى نحبه ودفنوه صرف النفقة واتفق مع طه الكردي وصالح الدولة وتحصن بعكا وحضر سليمان باشا فامتنعا عليه ولم يمكنه الدخول إليها فاستمر إسماعيل باشا إلى أن أخرجه أتباع المترجم بحيلة وملكوا سليمان باشا بعد أمور لم تتحقق كيفيتها وذلك ومات عين الأعيان ونادرة الزمان شاه بندر التجار والمرتقي بهمته إلى سنام الفخار النبيه النجيب والحسيب النسيب السيد أحمد بن أحمد الشهير بالمحروقي الحريري كان والده حريريًا بسوق العنبريين بمصر وكان رجلًا صالحًا منور الشيبة معروفًا بصدق اللهجة والديانة والأمانة بين أقرانه وولد له المترجم فكان يدعو له كثيرًا في صلاته وسائر تحركاته فلما ترعرع خالط الناس وكتب وحسب وكان على غاية من الحذق والنباهة وأخذ وأعطى وباع واشترى وشارك وتداخل مع التجار وحاسب على الألوف واتحد بالسيد أحمد بن عبد السلام وسافر معه إلى الحجاز وأحبه وامتزج به امتزاجًا كليًا بحيث صارا كالتوأمين أو روح حلت بدنين ومات عمدة التجار العرايشي وهو بالحجاز وهو أخو السيد أحمد بن عبد السلام في تلك السنة فأحرز مخلفاته وأمواله ودفاتر شركائه فتقيد المترجم بمحاسبة التجار والشركاء والوكلاء ومحاققتهم فوفر عليه لكوكا من الأموال واستأنف الشركات والمعاوضات وعد ذلك من سعادة مقدم المترجم ومرافقته
 له ورجع صحبته إلى مصر وزادت محبته له ورغبته فيه وكان لابن عبد السلام شهرة ووصلة بأكابر الأمراء كأبيه وخصوصًا مراد بك فيقضي له ولأمرائه لوازمهم اللازمة لهم ولأتباعهم واحتياجاتهم من التفاضيل والأقمشة الهندية وغيرها وينوب عنه المترجم في غالب أوقاته وحروكاته ولشدة امتزاج الطبيعة بينهما صار يحاكيه في ألفاظه ولغته وجميع اصطلاحاته في الحركات والسكنات والخطرات واشتهر ذكره به عند التجار والأعيان والأمراء واتحدا بمحمد آغا البارودي كتخدا مراد بك اتحادًا زائدًا وأتحفاه بالجرايا وخصصاه بالمزايا فراج به عند مخدومه شأنهما وارتفع بالزيادة قدرهما

 ولما تأمر إسماعيل بك واستوزر أيضًا البارودي استمر حالهما كذلك بل وأكثر إلى أن حصل الطاعون ومات به السيد أحمد بن عبد السلام في شعبان فاستقر المترجم في مظهره ومنصبه شاه بندر التجار بواسطة البارودي أيضًا وسعايته وسعادة طالعه وسكن داره العظيمة التي عمرها بجوار الفحامين محل دكة الحسبة القديم وتزوج بزوجاته واستولى على حواصله ومخازنه واستقل بها من غير شريك ولا وارث وعند ذلك زادت شهرته وعظم شأنه ووجاهته ونفذت كلمته على أقرانه ولم يزل طالعه يسمو وسعده يزيد وينمو وعاد مراد بك والأمراء المصريون بعد موت إسماعيل بك وانقلاب دولته إلى إمارة مصر فاختص بخدمته وقضاء سائر أشغاله وكذلك إبراهيم بك وباقي الأمراء وقدم لهم الهدايا والظرائف وواسى الجميع أعلاهم وأدونهم بحسن الصنع حتى جذب إليه قلوب الجميع ونافس الرجال وانعطفت إليه الآمال وعامل تجار النواحي والأمصار من سائر الجهات والأقطار واشتهر ذكره بالأراضي الحجازية وكذا بالبلاد الشامية والرومية واعتمدوه وكاتبوه واسلوه وأودعوه الودائع وأصناف التجارات والبضائع وزوج ولده السيد محمد وعلم له مهابًا عظيمًا افتخر فيه إلى الغاية ودعا الأمراء والأكابر والأعيان وأرسل إليهم إبراهيم بك ومراد بك الهدايا العظيمة المحملة على الجمال الكثيرة وكذلك باقي الأمراء ومعها الأجراس التي لها رنة تسمع من البعد ويقدمها جمل عليه طبل نقارية وذلك خلاف هدايا التجار وعظماء الناس والنصارى الأروام والأقباط الكتبة وتجار الإفرنج والأتراك والشوام والمغاربة وغيرهم وخلع الخلع الكثيرة وأعطى البقشيش والإنعامات والكساوى ولا يشغله أمر عن أمر آخر يمضيه أو غرض ينفذه ويقضيه كما قيل أخو عزمات لا يريد على الذي يهم به من مفظع الأمر صاحبًا إذا هم ألقى بين عينيه عزمه وفكب عن ذكر العواقب جانبًا‏.‏

وحج في سنة اثنتي عشرة ومائتين وألف وخرج في تجمل زائد وجمال كثيرة وتختروانات ومواهي ومسطحات وفراشين وخدم وهجن وبغال وخيول وكان يوم خروجه يومًا مشهودًا اجتمع الكثير من العامة والنساء وجلسوا بالطريق للفرجة عليه ومن خرج معه لتشييعه ووداعه من الأعيان التجار الراكبين والراجلين معه منهم وبأيديهم البنادق والأسلحة وغير ذلك وبعث بالبضائع والذخائر والقومانية والأحمال الثقيلة على طريق البحر لمرساة الينبع وجدة وعند رجوع الركب وصل الفرنساوية إلى بر مصر ووصلهم الخبر بذلك وأرسل إبراهيم بك إلى صالح بك أمير الحاج يطلبه مع الحجاج إلى بلبيس كما تقدم وذهب بصحبتهم المترجم وجرى عليه ما ذكر من نهب العرب متاعه وحموله وكان شيئًا كثيرًا حتى ما كان عليه من الثياب وانحصر بطريق القرين فلم يجد عند ذلك بدًا من مواجهة الفرنساوية فذهب إلى ساري عسكر بونابارته وقابله فرحب به وأكرمه ولامه على فراره وركونه للمماليك فاعتذر إليه بجهل الحال فقبل عذره واجتهد له في تحصيل المنهوبات وأرسل في طلب المتعدين واستخلص ما أمكن استخلاصه له ولغيره وأرسلهم إلى مصر وأصحب معهم عدة من العساكر لخفارتهم ويقدمهم طبلهم وهم مشاة بالأسلحة بين أيديهم حتى أدخلوهم إلى بيوتهم ولما رجع ساري عسكر إلى مصر تردد عليه وأحله محل القبول وارتاح إليه في لوازمه وتصدى للأمور وقضايا التجار وصار مرعي الجانب عنده ويقبل شفاعاته ويفصل القوانين بين يديه ويدي أكابرهم ولما رتبوا الديوان تعين من الرؤساء فيه وكاتبوا التجار أهل الحجاز وشريف مكة بواسطته 

 واستمر على ذلك حتى سافر بونابارته ووصل بعد ذلك عرضي العثمانية والأمراء المصرية فخرج فيمن خرج لملاقاتهم وحصل بعد ذلك ما حصل من نقض الصلح والحروب واجتهد المترجم في أيام الحرب وساعد وتصدى بكل همته وصرف أموالًا جمة في المهمات والمؤن إلى أن كان ما كان من ظهور الفرنساوية وخروج المحاربين من مصر ورجوعهم فلم يسعه إلا الخروج معهم والجلاء عن مصر فنهب الفرنساوية داره وما يتعلق به ولما استقر يوسف باشا الوزير جهة الشام آنسه المترجم وعاضده واجتهد في حوائجه واقترض الأموال وكاتب التجار وبذل همته وساعده بما لا يدخل تحت طوق البشر ويراسل خواصه بمصر سرًا فيطالعونه بالأخبار والأسرار إلى أن حصل العثمانيون بمصر فصار المترجم هو المشار إليه في الدولة والتزم بالإقطاعات والبلاد وحضر الوزير إلى داره وقدم إليه التقادم والهدايا وباشر الأمور العظيمة والقضايا الجسيمة وما يتعلق بالدول والدواوين والمهمات السلطانية وازدحم الناس ببابه وكثرت عليه الأتباع والأعوان والقواسة والفراشون وعساكر رومية ومترجمون وكلارجية ووكلاء وحضرت مشايخ البلاد والفلاحون الكثيرة بالهدايا والتقادم والأغنام والجمال والخيول وضارقت داره بهم فاتخذ دورًا بجواره وأنزل بها الوافدين وجعل بها مضايف وحبوسًا وغير ذلك‏.‏ 

ولما قصد يوسف باشا الوزير السفر من مصر وكله على تعلقاته وخصوصياته

 وحضر محمد باشا خسرو فاختص به أيضًا اختصاصًا كليًا ويلم إليه المقاليد الكلية والجزئية وجعله أمير الضربخانه وزادت صولته وشهرته وطار صيته واتسعت دائرته وصار بمنزلة شيخ البلد بل أعظم ونفدت أوامره في الإقليم المصري والرومي والحجازي والشامي ودرك من العز والجاه والعظمة ما لم يتفق لأمثاله من أولاد البلد وكان ديوان بيته أعظم الدواوين بمصر وتغرب وجهاء الناس لخدمته والوصول لسدته ووهب وأعطى وراعى جانب كل من انتمى إليه وأغدق عليه وكان يرسل الكساوى في رمضان للأعيان والفقهاء والتجار وفيها الشالات الكشميري ويهب المواهب وينعم الإنعامات ويهادي أحبابه ويسعفهم ويواسيهم في المهمات وعمل عدة أعراس وولائم وزاره محمد باشا المذكور في داره مرتين أو ثلاثة باستدعاء وقدم له التقادم والهدايا والتحايف والرخوت المثمنة والخيول والتعابي من الأقمشة الهندية والمقصبات ولما ثارت العسكر على محمد باشا وخرج فارًا كان بصحبته في ذلك الوقت فركب أيضًا يريد الفرار معه واختلفت بينهما الطرق فصادفته طائفة من العسكر فقبضوا عليه وعروا ثيابه وثياب ولده ومن معه وأخذوا منه جوهرًا كثيرًا ونقودًا ومتعًا فلحقه عمر بك الأرنؤدي الساكن ببولاق وأدركه وخلصه من أيديهم وأخذه إلى داره وحماه وقابل به محمد علي وغيره وذهب إلى داره واستقر بها إلى أن انقضت الفتنة وظهر طاهر باشا فساس أمره معه حتى قتل وحضر الأمراء المصريون فتداخل معهم وقدم لهم وهاداهم واتحد بهم وبعثمان بك البرديسي فأبقوه على حالته ونجز مطلوبات الجميع ولم يتضعضع للمزعجات ولم يتقهقر من المفزعات حتى أنهم لما أرادوا تقليد الستة عشر صنجقًا في يوم أحضره البرديسي تلك الليلة وأخبره بما اتفقوا عليه ووجده مشغول البال متحيرًا في ملزوماتهم فهون عليه الأمر وسهله وقضى له جميع المطلوبات واللوازم للستة عشر أميرًا في تلك الليلة وما أصبح النهار إلا وجميع المطلوبات من خيول ورخوت وفراوى وكساوى ومزركشات وذهب وفضة برسم الإنعامات والبقاشيش ومصروف الجيب حاضر لديه بين يديه حتى تعجب هو والحاضرون من ذلك وقال له مثلك من يخدم الملوك وأعطاه في ذلك اليوم فارسكور زيادة عما بيده ولما ثارت العسكر على الأمراء المصريين وأخرجوهم من مصر وأحضروا حمد باشا خورشيد من سكندرية وقلدوه ولاية مصر وكان كبعض الأغوات مختصر الحال هيا له رقم الوزارة والرخوت والخلع واللوازم في أسرع وقت وأقرب مدة ولم يزل شأنه في الترفع والصعود وطالعه مقارنًا للسعود وحاله مشهور وذكر منشور حتى فاجأته المنية وحالت بينه وبين الأمنية وذلك أنه لما دعا الباشا في يوم الثلاثاء سابع عشر شهر شعبان نزل إلى داره وتغدى عنده وأقام نحو ساعتين ثم ركب وطلع إلى القلعة فأرسل في أثره هدية جليلة صحبة ولده والسيد أحمد الملا ترجمانه وفي بقج قماش هندي وتفاصيل ومصوغات مجوهرة وشمعدانات فضة وتحايف وخيول مرختة وبدونها برسمه ورسم كبار أتباعه ومضى على ذلك خمسة أيام


فلما كان ليلة الأحد ثاني عشرين شعبان المذكور جلس حصة من الليل مع أصحابه يحادثهم ويملي الكتبة والمراسلات والحسابات  فأخذته رعدة وقال إني أجد بردًا فدثروه ساعة ثم أرادوا إيقاظه إلى حريمه فحركوه فوجدوه خالصًا قد فارق الدنيا من تلك الساعة التي دثروه فيها فكتلوا أمره حتى ركب ولده السيد محمد إلى الباشا في طلوع النهار وأخبره ثم رجع إلى داره وحضر ديوان أفندي والقاضي وختموا على خزانته وحواصله وأشهروا موته وجهزوه وكفنوه وصلوا عليه بالأزهر في مشهد حافل ثم رجعوا به إلى زاوية العربي تجاه داره ودفنوه مع السيد أحمد بن عبد السلام وانقضى أمره ثم أن الباشا ألبس ولده محمد فروة وقفطانًا على الضربخانه وما كان عليه والده من خدمة الدولة والالتزام ونزل من القلعة صحبة القاضي ثم ذهب إلى داره بارك الله فيه وأعانه على وقته‏.‏ 

تصديه لنابليون

لمع نجم الجنرال الفرنسي نابليون بونابرت إثر الانتصارات الكبيرة التي أحرزها على الإمبراطورية النمساوية في معارك لودي واركولي وديفولي، وأجبرها بموجبها على توقيع معاهدة كامبو فورميو (أكتوبر 1797م) مع فرنسا، وعاد إلى باريس تحيط به هالات المجد، بعد أن أصبح محبوب الأمة الفرنسية بأجمعها. وقد شعرت حكومة الإدارة الفرنسية آنذاك بخطورة هذا الجنرال الذي حاز إعجاب الشعب، فسعت إلى إبعاده عن فرنسا، وأرسلته في حملة عسكرية إلى مصر لضرب خطط الإنجليز في الشرق.
خرج نابليون في هذه الحملة بأسطول يقارب عدد سفنه الحربية خمسمائة سفينة، وقام أولاً باحتلال جزيرة مالطة، وفي 2 يوليو 1798م وصل إلى الإسكندرية واحتلها. ثم توجه مسرعاً نحو القاهرة، وانتصر على المماليك في معركة الرحمانية و معركة إمبابة. لكن الأسطول الفرنسي تلقى ضربة موجعة من قبل الأميرال الإنجليزي نلسون في معركة أبي قير.
في بداية شهر فبراير 1799م، توجه نابليون من القاهرة إلى غزة واحتلها، ثم تقدم إلى فلسطين حيث احتل يافا في 13 مارس وقام بمذبحة رهيبة فيها بعد استسلام المدينة، حيث قتل ما يقارب عشرة آلاف شخص بين جندي ومدني، لأنه أراد بث الرعب، وإحداث هزة نفسية، وإشاعة الهلع لكي لا تقوم المدن الأخرى بمقاومته. ثم واصل طريقه إلى مدينة "عكا" وحاصرها. نابليون أمام أسوار عكا: وصل نابليون إلى مدينة عكا في 18 مارس 1799م. وكان لا بد من احتلال هذه المدينة لكي يستطيع الاستمرار في حملته شمالاً إلى الشام، حيث كانت مدينة عكا تحتل موقعاً استراتيجياً مهماً. كان نابليون الذي كسب معاركه في مصر وفلسطين حتى الآن في يسر ودون صعوبة متأكداً أن هذه المدينة لن تصمد أمامه أكثر من يومين اثنين، لذا بادر إلى إرسال رسالة ملؤها الكبرياء والعجرفة إلى القائد العثماني الهرم قال فيها: "إنني الآن أمام قلاع عكا، ولن يكسبني قتل شخص هرم مثلك شيئاً... لذا فأنا لا أرغب في الدخول معكم في معركة... كن صديقاً وسلم هذه المدينة دون إراقة الدماء". ولم يتأخر جواب القائد العثماني.. ولكنه لم يكن الجواب الذي توقعه نابليون. قال القائد العثماني أحمد باشا الجزار في رسالته الجوابية:

« "نحمد الله تعالى لكوننا قادرين على حمل السلاح، وقادرين على الدفاع... إنني أنوي أن أقضي الأيام القليلة الباقية من عمري في الجهاد ضد الكفار". »
عندما تسلم نابليون هذا الجواب الذي قطع أمله في الدخول إلى المدينة ظافراً دون قتال التفت إلى ضباطه وقال لهم بضيق ونفاد صبر:

« "لقد أصبح من الواضح الآن أن هذا الشيخ الهرم سيكون سبباً في ضياع بضعة أيام منا... ولكن لا بأس... لا تقلقوا... سنكون بعد يومين في وسط هذه المدينة... سنلقنهم درساً لن ينسوه". »
في اليوم الثاني، 19 مارس 1799 بدأت المعركة، وبدأت المدافع الفرنسية تصب حممها على قلاع المدينة وأسوارها. ولكن لم تتحقق توقعات نابليون في النصر السريع، فقد أبدت الحامية العثمانية لمدينة عكا شجاعة فائقة في القتال على الرغم من تفوق الجيش الفرنسي من ناحية العدد والأعتدة الحربية ولا سيما في عدد المدافع التي كانت تصب حممها على المدينة الصغيرة المحاصرة. إلا أن الأسطول العثماني واصل إمداد المدينة وكذا أثبت جيش التنظيم الجديد العثماني كفاءة عالية في الدفاع عن المدينة.
مرت الأيام والأسابيع والمعركة الضروس قائمة، والمدينة صامدة صمود الأبطال، ويقوم أفراد الحامية في الليل بسد الثغرات التي تحدثها المدافع في النهار في جدران الأسوار... وتبخرت أحلام نابليون الذي كان قد اغتر بانتصاراته المتلاحقة على النمسا وفي مصر وفلسطين. عقد نابليون مشاورات عدة مع ضباطه ثم قرر إرسال رسالة إلى القائد العثماني يقترح عليه إجراء المفاوضات بين الطرفين. قبل القائد العثماني الطلب وذكر أنه بانتظار وفد المفاوضة، وجاء الوفد الفرنسي وعلى رأسه ضابط كبير. كان هذا الضابط يحمل رسالة شفوية من قائده الجنرال نابليون، وملخصها أنه لا فائدة من المقاومة، وأنه من الأفضل الاتفاق على شروط جيدة للصلح لإنهاء المزيد من سفك الدماء، لذا فإن القائد الفرنسي سيقبل بخروج القائد العثماني وخروج حاميته كذلك مع جميع أسلحتهم دون أن يتعرض لهم أحد، ويسمح لهم بالتوجه إلى المكان الذي يريدونه... كل ذلك في مقابل إنهاء المقاومة.
استمع أحمد باشا الجزار لرئيس الوفد الفرنسي حتى أكمل كلامه. وبعد صمت قصير قال له:
« "لم تقم الدولة العلية العثمانية بتعييني وزيراً وقائداً لكي أقوم بتسليم هذه المدينة إليكم... إنني أحمد باشا الجزار لن أسلم لكم شبراً من هذه المدينة حتى أبلغ مرتبة الشهادة". »
كان هذا جواباً حاسماً لا يتحمل المزيد من النقاش، ولا أي مناورة من مناورات المفاوضات، لذا رجع الوفد الفرنسي دون الوصول إلى اتفاق.
ما إن نقل الوفد جواب القائد العثماني إلى نابليون حتى جن جنونه، وبدأ يفكر في وضع خطة جديدة... خطة تؤمِّن كسر مقاومة الحامية العثمانية، فأمر بأن يتم وضع عشرات بل المئات من المشاعل ليلاً على مقربة من أسوار المدينة لكي يستمر قصف الأسوار ليلاً ونهاراً دون توقف، لكي لا يعطي فرصة راحة للمدافعين، ولكي يدك هذه الأسوار دكاً ويفتح فيها الثغرات والفجوات. وتم البدء بتنفيذ الخطة الجديدة... وبدأت المدافع تهدر ليلاً ونهاراً بقصف مستمر لا ينقطع. ونجح القصف الشديد والمستمر في هدم بعض أجزاء من سور المدينة، وهنا أمر نابليون جنده بالهجوم ودخول المدينة من هذه الأماكن.
دق نفير الهجوم في الجانب الفرنسي، واندفع الجنود الفرنسيون يريدون اقتحام الأسوار من هذه الفجوات والأقسام المتهدمة، ولكنهم قوبلوا بحراب وسيوف ورصاص الحامية العثمانية التي كانت تنتظر مثل هذا الهجوم، والتحموا مع الغزاة وجهاً لوجه، وعلى رأسهم قائدهم أحمد باشا الجزار. وأسفر الهجوم عن تراجع المهاجمين بعد أن تكبدوا خسائر فادحة. وتكرر الهجوم في الأيام التي تلت يوم الهجوم الأول، ولكن النتيجة لم تتغير، ففي كل هجوم كان الفرنسيون يتكبدون خسائر كبيرة في الأرواح.
ومرت الأيام والأسابيع على هذا المنوال... وبدأ اليأس يستولي على الجانب الفرنسي، لأن خسائره كانت تزداد على الدوام حتى كادت تأكل نصف الجنود. وأخيراً وبعد 64 يوماً من الحصار الشديد والقتال الدامي قرر نابليون في 21 مايو عام 1799م فك الحصار، وانسحب وهو يلملم جراح جيشه، ويجر أذيال الفشل، ويعلن بانسحابه أنه هُزم من قبل قائد عثماني هرم في السبعين من عمره... كانت هذه هي المعركة البرية الوحيدة التي خسرها نابليون حتى ذلك اليوم.
مواقفه مع السلطات العثمانية والفرنسية والإنجليزية والروسية

* جمال الدين يكتشف مخطوطة نادرة للجزار في جامعة القاهرة اكتشف الباحت لسنوات مجهولة المؤلف تحكي قصة حياة أحمد باشا الجزار منذ نشأته في البوسنة حتى تولى حكم الشام, بقلم حيدر أحمد الشهابي.

وعن تجربته في مجال تحقيق التراث وكيف استطاع ان يكشف هذه المخطوطة المجهولة يقول عبدالعزيز جمال الدين:

في ظل اهتمامي بتاريخ مصر القومي، فترة الاحتلال العثماني، قمت بتحقيق كتاب عجايب الآثار للجبرتي فكان اول تحقيق لهذا الكتاب الهام في المكتبة التاريخية المصرية.

وفي هذا السياق اطلعت على عدة مخطوطات هامة تعود لهذه الفترة، وقد اعجبني منها هذا المخطوط لانه من اقدم السير التي كتبت في الادب العربي الحديث، هذا إلى جانب لغتها الجميلة السهلة التي تأثرت كثيرا بلغة الجبرتي حتى انه نقل عنه اجزاء كبيرة خاصة بالحملة الفرنسية على مصر.

ولكن ما حيرني في هذا المخطوط انه لمؤلف مجهول حاولت كل الجهد الكشف عنه حتى تمكنت من ذلك بعد عدة مقارنات ومطالعات لمؤرخي هذه الفترة في مصر وبلاد الشام, فكانت محصلة ذلك ان المخطوط لمؤلف من العائلة الشهابية اللبنانية هو الامير حيدر أحمد الشهابي.
ولعل السبب في ضياع اسم المؤلف من على المخطوط يعود إلى ان الامير حيدر عندما توفي عام 1835 تبعثرت مكتبته وضاع منها العديد من كتبه ومؤلفاته خاصة مؤلفه الكبير الغرر الحسان في أخبار ابناء الزمان وفي اوائل هذا القرن تم نشر هذا الكتاب بمصر سنة 1900م من ثلاثة اجزاء، ثم قامت بنشره مديرية المعارف العامة والفنون الجميلة بلبنان عام 1933م.
وبالاضافة إلى كشفي لاسم مؤلف المخطوط قمت بتحقيقه ومقارنته بما ورد فيه من التاريخ الكبير للامير حيدر وما نقله عن الجبرتي وغيره، وأضفت إليه هوامش عديدة مستفيضة تناولت ايضاح المصطلحات الادارية والفنية والعسكرية والمالية، إلى جانب تحقيق المواضع والمواقع ووضع تراجم للاعلام الواردة في المخطوط الى جانب وضع عدد من اللوحات والصور والخرائط, وذلك بهدف تقديم المخطوط في ادق وأوضح شكل ممكن حتى يمكن اكتشاف اهمية المخطوط وأهمية كاتبه.
ترجع اهمية المخطوط إلى انه يحتوي على مرحلة تاريخية هامة حدثت بين مصر والشام والجزيرة العربية في ظل الاحتلال العثماني من النادر ان نجدها بهذا الوضوح في مخطوطة اخرى من هذه الفترة, مما يكشف عن عمق العلاقات التاريخية بين مصر والشام والجزيرة العربية في هذه الحقبة التاريخية، كما يكشف المخطوط دور المغامرين الذين ظهروا في ظل انهيار السلطة العثمانية من امثال علي بك الكبير ومحمد بك أبو الدهب وأحمد باشا الجزار وظاهر العمر والقرمنلي وغيرهم كثير، في ظهور الحركات الاستقلالية في المستعمرات العثمانية وما أدت إليه من سرعة انهيار السلطنة العثمانية التي كانت تقوم بالاساس على القوة العسكرية الباطشة.
أما أهمية مؤلف المخطوط وهو الامير حيدر الشهابي فترجع إلى انه احد افراد عائلة من اهم العائلات التي مارست الصراع على السلطة على ساحل الشام ولبنان منذ القدم وحتى اليوم ومن هنا فإنه يكشف عن جذور الصراع الطائفي في لبنان وما آل إليه هذا الصراع حتى اليوم، ولقد تمكن الامير حيدر من امتلاك هذه القدرة التحليلية، والراصدة للصراعات في لبنان بالذات بفضل قربه من الحكام الشهابيين، وذلك انه ابن الامير حيدر الشهابي الكبير، كما انه كان كثير التنقل في انحاء لبنان، فقد كان الامير بشير الشهابي يكلفه ببعض المهام التفاوضية والحربية، وقد اشتهر عنه انفاقه على الرهبان، ووقف الاملاك الكثيرة عليهم، مما ترك للعائلة الشهابية بكاملها ارتباكاً فيما إذا كانت عائلة درزية أم نصرانية مارونية، ام مسلمة سنية, وبالاضافة إلى مخطوطه هذا الذي قمت بتحقيقه وعنوانه قصة أحمد باشا الجزار فإن له مؤلفاً كبيراً في تاريخ لبنان بعنوان الغرر الحسان في اخبار ابناء الزمان ومؤلفاً ثالثاً بعنوان تاريخ الامير بشير الشهابي الكبير .





مدينة عكا عام 1789 وتظهر فيها القلعة ومسجد احمد باشا الجزار العثماني



تحكي المخطوطة :
* كيف باع الجزار نفسه لتاجر الرقيق اليهودي الذي باعه بالتالي لباشا مصر حكم أو غلي .
ثم انتقل الجزار بعد ذلك للعمل عند علي بك الكبير مع صديقه محمد بك ابو الدهب, كما ترصد المخطوطة اشتراك الجزار في المؤامرات والاغتيالات التي كانت تدور داخل كواليس السلطة في مصر للاستيلاء عليها، وهروبه بعد كشف دوره في احدى المؤامرات إلى بلاد الشام.
* الجزار يُكون فرقة يساهم في الصراعات الدائرة في ساحل الشام (فلسطين ولبنان) بين العائلات الشهابية والجنبلاطية، وينتهي به الامر الى تولي قيادة حصن بيروت ثم بقية ساحل الشام بدعم من السلطنة العثمانية التي كانت قوتها في هذه المناطق بسبب قيام الزعامات المحلية بمحاولات الخروج عن السلطة العثمانية وتحجيمها تأسيا بما كان يحدث في مصر على وقت علي بك الكبير.
* دعم السلطنة العثمانية للجزار ينتهي به إلى الانفراد بالسلطة على ساحل الشام، وطمعه في الاستيلاء على مصر، ،كتابته لتقرير عن احوال مصر يدعو فيه السلطة العثمانية إلى تقوية قبضتها على مصر عن طريق توليته عليها.
* صمود الجزار امام قوات بونابرت في عكا بدعم من القوات الانجليزية البحرية.
* الجزار في ظل انهيار السلطنة العثمانية امام القوات الاوروبية والروسية، يدعم سلطته السياسية والاقتصادية في بلاد الشام في ظل سياسة الاحتكار الاقتصادي التي استفاد منها محمد علي باشا والي مصر من بعد.
* اصطدام الجزار بالاسطول الروسي الذي يقوم بعملياته البحرية في ساحل بلاد الشام،وكذلك اصطدامه بالحركة الوهابية الصاعدة في نجد، وقيامه بالقضاء على حركة الظاهر عمر وأولاده بفلسطين.
* السلطنة العثمانية تحقق للجزار امنيته في حكم مصر وترسل له الفرمان الخاص بتوليه مصر إلى طرابلس في اللحظة التي يموت فيها سنة 1804م.
ويضيف الباحث عبدالعزيز جمال الدين: انه استغرق في تحقيق هذا المخطوط حوالي سنتين لكي يخرجه في الشكل المناسب، قام بجمعه وترتيبه لتأتي اللوحات والخرائط والتعليقات والشروح في مكانها المناسب من النص, وفي النهاية وضع فهارس للاعلام والاماكن واضاف ملحقاً هاما من تأليف الجزار عن احوال مصر وكيفية ادارتها لتزيد اهمية المخطوط وتحقيقه.
وفي ظل اهتمام الباحث بتاريخ مصر القومي فقد قام بتحقيق بعض المخطوطات القديمة يأتي على رأسها:
* تاريخ بطاركة الاسكندرية لساويرس بن المقفع, وهو مؤلف هام نادر يجمع بين دفتيه اطول فترة تاريخية من تاريخ مصر تمتد من الاحتلال الروماني وحتى أواخر القرن التاسع عشر.
* تحفة الاحباب بمن ملك مصر من الملوك والنواب, يرصد تاريخ مصر حتى السنة 1136ه ليوسف الملوي.
* تاريخ وقايع مصر القاهرة من سنة ألف وماية إلى آخر التاريخ المجموع لمصطفى إبراهيم القينالي.
* نزهة الامم في العجايب والحكم لمحمد ابن أحمد ابن اياس وهو من كتب الخطط المصرية الهامة.
* فضايل مصر لعمر بن محمد بن يوسف الكندي وهو من الكتب التي استعان بها المقريزي والسيوطي وابن تعزي بردي والنويري والقلقشندي وابن ظهيرة وغيرهم في مؤلفاتهم عن خطط مصر.
* تاريخ مصر للشيخ ابن صالح الارمني.
* تاريخ مصر ليحيى بن سعيد الانطاكي.
* تاريخ مصر لسعيد بن البطريق.
* جواهر السلوك في امر الخلفاء والملوك لابن اياس.
* طبقات الامم لابن صاعد المتوفى عام 462ه.
* الفلاكة والمفلكون لأحمد بن علي الدلجي, وهو مؤلف هام عن الحياة الاقتصادية في مصر في أواخر القرن الثامن الهجري وقت سلطنة المماليك البرجية التي اشتهر بها قايتباي والغوري.

حبه للعمران



خان العمدان - ناظراً إلى برج الساعة على الطرف الشمالي للمبنى
عمـَّر الجزار سائر أرجاء عكا. وقد ساعده في ذلك مستشاره المالي حاييم فرحي، اليهودي الدمشقي.

مسجد أحمد باشا الجزار

هو أكبر جامعٍ في عكّا بفلسطين ومن أهمّ معالمها وأروع وأبدع مظاهر الفنّ الإسلامي في العهد العثماني. بناه أحمد باشا الجزّار، والي عكا، عام 1781م على طريقة المساجد الفخمة في استنبول (القسطنطينية)، وبالتّحديد على نسق المسجد الأزرق، على مساحةٍ واسعةٍ من الأرض وفي مكانٍ مرتفعٍ. ووقف عليه الأوقاف الكثيرة. وقد بناه على أنقاض كنيسة صليبية كانت قد بنيت على أنقاض معبد روماني ثم بيزنطي. وكان الصليبيون قد جلبوا الأحجار والأعمدة من معابد رومانية في قيصرية.
يتميّزُ هذا الجامع، بالإضافة إلى فخامته، بمئذّنته المرتفعة الشامخة ذات القطر الصّغير، وهي منتصبة ومشرئبّة ويمكن رؤيتها من على بعد عشرين كلم.
للمسجد بابان: أحدهما الباب الرّئيسي ويقع إلى شمال المسجد، وهو مزخرف مربّع الشكل ومسقوف؛ والآخر يقع إلى الجهة الشّرقية من المسجد. ويتّصل هذان البابان بالشّارع بأدراجٍ عريضةٍ ومتعددّةٍ نظرًا لإرتفاع المسجد عن الطّريق العام ولإتّساع مدخله.
بُنيت حول المسجد وفي صحنه المُستطيل أروقةٌ مقبّبة وغرف عديدة يستعملها موظّفو الجامع، وقد خُصّصت إحداها لتكون مركزًا لمُفتي عكا ولإجتماعاته، وخُصّصت غُرف أخرى لتكون مكتبة تحوي نفائس الكتب الدّينية والتّاريخية والفقهية والمخطوطات، وقد كُتِبَ على بابها ثلاث كلمات، وهي: "فيها كتب قيّمة".
بُني أيضًا حول المسجد مدرسة لتعليم القرآن الكريم والفقه الإسلامي وعلوم أخرى. وأُلحِقَت بالمدرسة حوالي خمس عشرة غرفة تتّسع كلّ منها لطالبين أيّ لثلاثين طالبًا يستعملونها طيلة أيّام الدّراسة بلا مقابلٍ. إضافةً إلى ذلك، فقد أوقف لكلّ طالب راتب شهريّ بدل مأكله وملبسه. وقد سُميّت هذه المدرسة بالمدرسة الأحمدية نسبةً إلى منشئها وبانيها أحمد باشا الجزار.
أُقيمت في صحن المسجد بركةٌ مستديرةٌ يسيل منها الماء باستمرارٍ من أكثر من خمس عشرة فتحةٍ. وأمام كل فتحةٍ منها مكان لشخصٍ يطلب الوضوء قبل الصّلاة. كما كان في صحن المسجد مَزولة، وهي ساعة شمسية لضبط أوقات الصّلاة. وبالقرب من الزاوية الشمالية الغربية لفناء الجامع، بُنِيَ مدفنٌ كبيرٌ يضمّ رفات أحمد باشا الجزار وخليفته وابنه بالتبني سليمان باشا العادل.
من مميّزات هذا الجامع النّادرة بالنسبة لغيره من الجوامع الفلسطينية، وجود صندوق خاص في داخل المسجد يضمّ زجاج، في داخله شعرةٌ مباركةٌ من شعر الرّسول كانت تُعرض على المُصلّين لتقبيلها والتبرّك منها مرةً واحدةً في السّنة، وذلك أثناء الإحتفال الكبير الذي كان يُقام داخل الجامع بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف



أخر ايامه

منذ مائتي سنة ميلادية هذا الأسبوع، دون الفقير عبد الرحمن الجبرتي بن حسن الجبرتي الحنفي غفر الله له ولوالديه، وأحسن إليهما وإليه من أحداث شهر صفر الخير سنة 1220:
فلما أصبح يوم الأحد ثاني عشره، ركب المشايخ إلى بيت القاضي واجتمع به الكثير من المتعممين والعامة والأطفال، حتى امتلأ الحوش والمقعد بالناس، وصرخوا بقولهم "شرع الله بيننا وبين هذا الباشا الظالم"، ومن الأولاد من يقول "يا لطيف"، ومنهم من يقول "يا رب يا مجتلي أهلك العثملي"، ومنهم من يقول "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وغير ذلك. وطلبوا من القاضي أن يرسل بإحضار المتكلمين في الدولة لمجلس الشرع، فأرسل إلى سعيد أغا الوكيل، وبشير أغا الذي حضر قبل تاريخه، وعثمان أغا قبي كتخدا، والدفتردار، والشمعدانجي. فحضر الجميع، واتفقوا على كتابة عرضحال بالمطلوبات، ففعلوا ذلك، وذكروا فيه تعدي طوائف العسكر والإيذاء منهم للناس، وإخراجهم من مساكنهم والمظالم والفرد، وقيض مال الميري المعجل، وحق طرق المباشرين، ومصادرة الناس بالدعاوى الكاذبة، وغير ذلك. وأخدوه معهم ووعدوه برد جواب في ثاني يوم. وفي تلك الليلة، أرسل الباشا مراسلة إلى القاضي يرقق فيها الجواب، ويظهر الامتثال، ويطلب حضوره إليه من الغد مع العلماء ليعمل معهم مشورة. فلما وصلته التذكرة حضر بها إلى السيد عمر أفندي، واستشاروا في الذهاب، ثم اتفقوا على عدم التوجه إليه، وغلب ظنهم أنها منه خديعة، وفي عزمه شيء آخر، لأنه حضر بعد ذلك من أخبرهم أنه كان أعد أشخاصا لاغتيالهم في الطريق، وينسب ذلك الفعل لأوباش العسكر أن لو عوتب بعد ذلك. فلما أصبحوا يوم الإثنين، اجتمعوا ببيت القاضي، وكذلك اجتمع الكثير من العامة، فمنعوهم من الدخول إلى بيت القاضي، وقفلوا بابيه، وحضر إليهم أيضا سعيد أغا والجماعة، وركب الجميع، وذهبوا إلى محمد علي، وقالوا له، "إنا لا نريد هذا الباشا حاكما علينا، ولا بد من عزله من الولاية". فقال، "ومن تريدونه واليا". قالوا له، "لا نرضى إلا بك، وتكون واليا علينا بشروطنا، لما نتوسمه فيك من العدالة والخير". فامتنع أولا، ثم رضى. وأحضروا له كركا وعليه قفطان، وقام إليه السيد عمر والشيخ الشرقاوي فألبساه له، وذلك وقت العصر، ونادوا بذلك في تلك الليلة في المدينة، وأرسلوا إلى أحمد باشا الجزار الخبر بذلك، فقال: "إني مولى من طرف السلطان، فلا أعزل بأمر الفلاحين، ولا أنزل من القلعة إلا بأمر من السلطنة". وأصبح الناس وتجمعوا أيضا، فركب المشايخ ومعهم الجم الغفير من العامة، وبأيديهم الأسلحة والعصي، وذهبوا إلى بركة الأزبكية حتى ملئوها. وأرسل الباشا إلى مصر العتيقة، فحمل جمالا من البقسماط والذخيرة والجبخانة، وأخذ غلالا من عرصة الرميلة، وطلع عمر بك الأرنئودي الساكن ببولاق عند الباشا بالقلعة. ثم إن محمد علي باشا والمشايخ كتبوا مراسلة إلى عمر بيك وصالح أغا قوش المعضدين لأحمد باشا المخلوع يذكرون لهما ما اجتمع عليه رأي الجمهور من عزل الباشا، ولا ينبغي مخالفتهم وعنادهم، لما يترتب على ذلك من الفساد العظيم وخراب الإقليم. فأرسلا يقولان في الجواب "أرونا سندا شرعيا في ذلك". فاجتمع في يوم الخميس سادس عشره ببيت القاضي، ونظموا سؤالا، وكتب عليه المفتون، وأرسلوه إليهم، فلم يتعقلوا ذلك، واستمروا على خلافهم وعنادهم، ونزل كثير من أتباع الباشا بثيابهم إلى المدينة، وانحل عنه طائفة الينكرجية، ولم يبق معه إلا طوائف الأرنئود المغرضون لصالح آغا قوش وعمر أغا. وفي هذه الأيام، حضر محمد بك الألفي ومن معه من أمرائه وعربانه، وانتشروا جهة الجيزة. واستقر الألفي بالمنصورية قرب الأهرام، وانتشرت أتباعه إلى الجسر الأسود، وأرسل مكاتبة إلى السيد عمر أفندي، والشيخ الشرقاوي، ومحمد علي باشا، يطلب له جهة يستقر فيها هو وأتباعه، فكتبوا له بأن يختار له جهة يرتاح فيها، ويتأنى حتى تسكن الفتنة القائمة بمصر. واستمر أحمد باشا المخلوع ومن معه على الخلاف والعناد وعدم النزول من القلعة، ويقول "لا أنزل حتى يأتيني أمر من السلطان الذي ولاني". وأرسل تذكرة إلى القاضي يذكر فيها أن العسكر الذين عنده بالقلعة لهم جاميكة منكسرة في المدة الماضية، وأنهم كانوا محولين على مال الجهات، ورفع المظالم سنة تاريخه معجلا، فتقبضونها وترسلونها وتعينوا لنا ولهم خرجا ومصاريف إلى حين حضور جواب من الدولة، وليس في إقامتنا بالقلعة ضرر أو خراب على الرعية، فإننا لا نريد إضرارهم. فأجابه القاضي بقوله، "أما كان من الجامكية المحولة فإنها لازمة عليكم من إيراد المدة التي قبضتموها في المدة السابقة، ومن قبيل ما ذكرتموه من عدم ضرر الرعية، فإن إقامتكم بالقلعة هو عين الضرر، فإنه حضر يوم تاريخه نحو الأربعين ألف نفس بالمحكمة وطالبون نزولكم أو محاربتكم، فلا يمكن دفع قيام هذا الجمهور، وهذا آخر المراسلات بيننا وبينكم. والسلام."