Search - للبحث فى مقالات الموقع

Tuesday, February 15, 2011

الختم seal



    الختم seal قطعة رمزية من معدن، أو طين، أو زجاج، أو صلصال، أو حجرٍ كريم، أو غيره، تحمل طابعاً أو كتابة أو رسوماً، ويعبر نقشها أو رسمها عن «الملكية»، في الأثر الذي تطبعه عليه لدى استخدامها. ولكل ختم علامة تميزه من غيره، ويختلف باختلاف الأشخاص والمناطق.
    تعد الأختام نقلة حضارية، ومظهراً من مظاهر تطور الفن، وتساعد في رصد الأحداث التاريخية وتشخيصها، وتعطي فكرة عن الأقوام التي استعملتها.
    تاريخ الأختام
    اخترع الإنسان الختم في الألف الخامس ق.م، وصنعه من الحجر الطري والطين على أشكال منها المثلث، والهرم، والفأس، والريشة، والمخروط، والمنجل، أو على شكل حيوان. وفي طرف الختم ثقب لتعليقه حليةً أو تميمة بالمعصم أو العنق.
    وقد يكون الختم على شكل قرص، أو أسطوانياً، سطوحه مستوية أو محدبة، ومنقوشة أو عليها روسم. وفي العصر الحجري الحديث (5000-3000ق.م) استخدم الإنسان الختم تميمة لحماية نفسه، وعليها رسوم تدل على الصيد، والرعي، وأشكال هندسية ونباتية وحيوانية للتقرب من الآلهة (الشكل1). وأول من استعمله سكان بلاد الشام في الألف الثالث قبل الميلاد، وكانوا يختمون به الجرار وغيرها. وينقشون الأشكال معكوسة على سطح الختم فتظهر صحيحة بعد طبعها.
(الشكل 1) ختم من الحجر الكلسي يحمل نقش ثورين في وضعين متعاكسين، أوروك نحو 3000ق.م
    ومع بدء نشوء الممالك (2900-2350ق.م) كانت الأختام رديئة الصنع، ثم اتجه صانعوها نحو تحسينها، ونقش الموضوعات المهمة عندهم، من أشكال متناظرة، وبجانبها اسم صاحب الختم أو رسمه وهو يتعبد.
    وفي العصر الأكدي (2350-2150ق.م) أصبح رسم الختم باسم صاحبه تقليداً، واحتل موضوع تصوير الأرباب على الختم منذ العام 2150 ق.م أهمية خاصة ولاسيما «رب الطقس». كما صور البابليون رمز الرب بدلاً من صورته، وكذلك فعل الآشوريون بمحافظتهم على تقاليد صناعة الأختام (الشكل 2).

(الشكل 2) صورة ختم أسطواني يمثل إلهاً يجلس على مقعد له أربع قوائم ورجل يتقرب إليه بالهبات، العصر الأكدي المتأخر 2390-2290ق.م (ماري ـ تل الحريري)
     وفي العصر الكاشي (1500-1200ق.م) كتب على الختم مقاطع من الصلوات أمام رجل متعبد.
    وكانت أختام الميتانيين، والآشوريين (1500-1200ق.م)، متميزة من الكاشية، وتحمل صورة شجرة بين حيوانين، أو ضفائر، أو قرص الشمس، أو غير ذلك.
    في حين فقدت هذه الأختام أهميتها لدى الآراميين لأنهم كتبوا على الحجر، والجلد، وورق البردي، واستعملوا في هذا العصر «الختم القرصي».
    أما الكلدانيون (612-539ق.م)، فاستعملوا الختم الأسطواني والختم القرصي المزين سطحه برمز الرب، وأمامه متعبد، مع النقوش الهندسية.
(الشكل 3) جعران من اللازورد «1.5» يحمل صورة رمسيس الثاني على هيئة أبي الهول ويدوس على عدوه، واسمه إلى جانبه (مصر 1301-1234ق.م)
    وقلد الأخمينيون (520-330ق.م) أختام حضارة بلاد الشام، والرافدين. وزينوا أختامهم بنقوش مستمدة من زخارف أختام الآشوريين والبابليين ونقوشها. وبانقضاء العصر الأخميني، استغنى الناس عن الختم الأسطواني، واتخذوا بدلاً منه الختم القرصي. وكان الختم الفارسي يحمل صورة الملك، وهو يصطاد، أو يقارع الأعداء، أو صور الحيوانات الأليفة. وانفردت حضارة مصر القديمة في مطلع القرن الثالث قبل الميلاد بصنع الختم على شكل «الجُعَل»؛ وهو «خنفس الزبل»، تمثيلاً للمعتقد المصري «الخلق من العدم»، واستخدم الختم حلية، وتميمة. وكتبت على سطحه مأثورات من كتاب «الأموات»، واستخدموا الختم الأسطواني أحياناً بتأثير حضارة بلاد الشام (الشكل 3).
(الشكل 4) فص خاتم من حجر أبيض ارتفاعه 1.5سم يحمل صورة العنقاء (القرن 3-2ق.م)
    أما الممالك اليونانية فقد استخدم فيها الختم للأعمال الاقتصادية، ولتحديد الملكية. كأختام جزيرة كريت، وقد حرم قانون صولون Solon على صانع الأختام إنتاج أكثر من نسخة واحدة منعاً للتزوير. واستخدم ختم «الخنفس» بتأثير من حضارة مصر القديمة وحضارة الكنعانيين، وأصبح الختم والخاتم صنوين في بلاد الإغريق، لأنه يستعمل حلية للأصبع وختماً للوثائق (الشكل4).
    وفي عصر الإسكندر الكبير: أصبح الختم على شكل «الخنفس»، ودخلت الأختام إيطالية، منذ القرن السادس قبل الميلاد، وتأثرت صناعة الأختام فيها بصناعة النقود. ونقشت عليها صور «فينوس» وصور الرب «أرتميس»، والرب «إيروس»، وصور الأسر الأرستقراطية- وأصبح الختم سلعة دعائية.
(الشكر 5) طبعة ختم عليها نقش اسم الرب الهندي «أيان» تحته صورة ثور أمامه وعاء ماء فوار 6×6سم (الألف الثالث ق.م)
    أما في الصين، والهند، فقد صنع الختم من الحجر، والزجاج والصلصال، وجعلوه على شكل «زر»، أو مستطيل له مقبض هرمي فيه ثقب لدخول الخيط وتعليقه.
وانفردت الهند بنقش الختم على عدة وجوه. ووجدت أختام أسطوانية في الصين عليها صور «التنين» و «الحية ذات الرأسين»، التي أصبحت شعاراً للختم الصيني، مع ذكر اسم صاحبه بجانبه.
    الأختام في الحضارة العربية الإسلامية
    أخذ العرب الختم بشكله التقليدي، ونفروا من التصوير عليه. واتخذ الرسول العربي الكريم خاتماً من وِرق (فضة)، وكان نقشه «محمد رسول الله»، وتناقله كل من أبي بكر وعمر وعثمان الذي وقع منه في بئر «أريس»، وكان نقش خاتم خليفة رسول الله أبي بكر الصديق «نِعْمَ القادر الله»، ونقش أمير المؤمنين عمر بن الخَطاب «كفى بالموت واعظاً»، ونقش الخليفة عثمان بن عفان «آمنت بالذي خلق فسوى»، ونقش أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عبارة «الله الملك الحق»، وفي العهد الأموي أمر الخليفة معاوية بن أبي سفيان بتتريب الرسائل، وتطيينها على سطحها، وختمها، وصنعت الأختام الزجاجية ذات الوجه الواحد للمكاييل والأوزان. وأنشأ العباسيون «ديوان الخاتم»، الذي يتبع ديوان الرسائل، وأصبحت الأختام مزينة بالأحجار الكريمة المنقوشة حليةً للملوك والأمراء، وكانت تختم بها أوامر العفو والأمان.
(الشكل -6) طبعة ختم محفور على حجر غرانيت من العصر الأموي يحمل عبارة «العزة لله»
    وقد كانت الخواتم تنقش بأنواع الخطوط الجميلة، وتحمل آيات من القرآن الكريم (الشكل6) أو عبارات الحكم، والألغاز، والمعميات.
    واستخدم الختم على المعاملات، والمعاهدات، والمراسيم، والكتب (الشكل7)، والوقفيات، وحجج العقارات والأملاك، والمراسلات، والإجازات بأنواعها، ولفائف الحسب والنسب، واستخدمت الأختام الزجاجية لمراقبة صحة المكاييل والأوزان وغيرها. واهتم العلماء بدراسة أحكام الأختام وقانونيتها، ولغتها، وشأنها في الحكم الشرعي ومنها تصانيف ابن رجب الحنبلي (ت795هـ) في كتابه «أحكام الخواتيم» الذي اعتمد في مصادره على كتابي «الخواتيم» لحمزة السهمي (ت428هـ)، و «الخواتيم» لابن منجويه. ومن التصانيف الأخرى كتاب «الخواتيم» لابن أبي الدنيا، وكتاب «التختيم من اليمين أو اليسار» للبيهقي، وكتاب «الخواتيم» لابن أبي حية، وكتاب «الخواتيم» لعبد الله الدبيلي. وصنف ابن بابويه القمي كتاب «الخواتيم». ولمحمد رضا الطبسي النجفي كتاب «الدر الثمين في التختم باليمين». وقد ضمّن القلقشندي كتابه «صبح الأعشى» بحثاً عن الخواتيم وأنواعها واستعمالاتها، وكذلك فعل الخزاعي في كتابه «تخريج الدلالات»، واقتبس منه الكتاني في كتابه «التراتيب الإدارية». ولقد تأثر الغرب بالحضارة العربية الإسلامية إبان الحروب الصليبية، ومن اتصاله بحضارة الأندلس، حتى إن الملك النرمندي «روجر الثاني» ملك صقلية، اتخذ خاتماً عربياً عليه نقش حكمة عربية.
(الشكل -7) أختام منوعة من العصور الإسلامية المختلفة تحمل كتابات من القرآن الكريم أو أقوالاً مأثورة
     وقد حافظت الأختام على أهميتها في الدولتين «الزنكية» و «الأيوبية». وفي العصر المملوكي اخترعت طرق لختم الرسائل بالشمع الأحمر. وظهرت «الطرة»، و «الطغرة» أي الطغراء على المراسيم (الفرمانات). فالطرة تحمل ألقاب السلطان، وأوامره، ومرسومه. أما الطغرة فتحمل اسم السلطان، وأسماء آبائه، ولقبه. وللطرة، والطغرة كاتب خاص.
طغراء السلطان سليمان القانوني (1495-1566)
طغراء السلطان عبد العزيز (1830-1876)
(الشكل -8)
    وأصبح ختم الطغرة منقوشاً على النقود العثمانية، والأختام العثمانية، شعاراً للدولة.
    وقلدتها في ذلك الدول الفارسية والمغولية، والأفغانية. وكلمة الطغرة تركية دالة على توقيع السلطان، وتأشيره، وقد نقلت من المراسيم المملوكية، ويختلف تركيبها الشكلي بكثرة منتصباتها «الألف واللام» أو قلتها.
    وكانت مهارة الخطاطين وبراعتهم في النقش تقاسان بنوع الأختام التي يصنعونها (الشكل8).
    صناعة الأختام
    يصنع الختم أو الروسم من مادة قاسية. كالصلصال والحجر، والمعدن، والزجاج، والأحجار الكريمة وغيرها. لقد صنعت أختام بلاد الشام القديمة أسطوانية الشكل، واستخدم في صنعها الطين والحجر الكلسي والصدف والزجاج والرخام والكوارتز الأبيض. أما أختام بلاد الرافدين، وإيران، فكانت مسطحة دائرية، وكذلك أختام بلاد مصر القديمة، والعرب.
(الشكل -9) رسم يمثل صناعة الأختام من عصر السلالة السادسة في مصر القديمة (2290-2135)
    وكان نقش الأختام وكتابتها في الحضارة العربية الإسلامية من يسار الختم إلى يمينه لتظهر طباعته صحيحة على المادة المستعملة، واستخدم الإزميل، والقلم الحاد المعدني، والمبرد، والمثقب اليدوي أدوات في صنعه (الشكل9). وربما كان النقش على سطح واحد من الختم الذي يشبه شكل قطعة الشطرنج.
    وقد يكون للختم حامل أو ممسك يدور الختم على محوره، وقد يكون الختم هرمياً ثلاثي الوجوه، أو ثنائي الوجه. وربما كان مربعاً، أو مستطيلاً، أو دائرياً أو بيضياً أو بأشكال مختلفة.
    واستخدمت الصور، والكتابات والزخارف الهندسية في نقش الأختام القديمة.
    وتميزت الأختام العربية من غيرها باستخدام الكتابة والنقوش الزخرفية والنباتية، وبعدها عن التصوير والتجسيم. وتنوعت الأقلام في كتابتها؛ فاستخدم الخط الكوفي القديم، والخط الفارسي الانسيابي لسهولة حفره. ونقشت الأختام الدقيقة بالخط الغباري، في حين نقشت الأختام الكبيرة كأختام المحاكم والإجازات الصوفية والعلمية والمراسيم (الفرمانات) بخط الطغراء والخط الديواني الجلي، والثلث وغيرها (الشكل 10).
(الشكل -10) نماذج أختام عربية منوعة الخطوط
    وكان الخطاط هو صانع الختم، وكاتبه، ومن ينقشه.
    وفي أواخر العهد العثماني بدأ استخدام الأكاسيد، والأحماض الكيمياوية في صناعة الأختام، فكان سطح الختم يغطى باللك، والشمع، وينقش عليه النقش المطلوب، ثم يغطس في الحمض عدة مرات لتعميق الحفر.
    وفي العصر الحديث بدأت الأختام المعدنية، والحجرية تختفي، وحلت محلها الأختام المطاطية، وانتشرت المكننة الآلية في صناعتها. وانفصلت صناعة الأختام عن مهنة الخطاط الذي اكتفى بكتابة النص وزخرفته. وظهر الختم المعدني النافر المستعمل في ختم الوثائق المهمة كجوازات السفر والشهادات العلمية وغيرها.
    ومن الدول من استغنى عن الأختام تماماً ليحل محلها الرموز والأرقام السرية باستعمال الأشرطة الممغنطة، وأشعة الليزر وغيرها، وأصبح الوضع القانوني للختم واستعمالاته غير ملزم للقاضي إلا للاستئناس بصحة الوثيقة، مع التوقيع، والتأشير، واقتصر استعمال الختم على الوثائق الرسمية.
    وصار للأختام هواة يجمعونها، ويعرضونها في مجموعات أثرية أو تقام لها مزادات عالمية.